اليوم الأحد 8 ديسمبر 2019 - 10:53 مساءً
أخـبـار الـيــوم
أخر تحديث : الخميس 7 أغسطس 2014 - 3:12 صباحًا

رسالة القرآن الكريم

بقلم :ذ . منير الفراع

إن رسالة القرآن الكريم هي رسالة الرقي بالإنسان والعروج به سلم القيم والأخلاق، وسلم الإنجاز الحضاري والمادي، لذا بين سبحانه رسالة القرآن في قوله عز وجل: “طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى”، فالقرآن الكريم ما أُنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليه لشقاء الإنسان والإنسانية، وإنما ما أنزل إلا لتحقيق السعادة للإنسانية جمعاء في الدنيا قبل الآخرة، لذا فهو لا يكتفي بتنظيم علاقة الإنسان بربه، وإنما يتجاوز ذلك من خلال تنظيم علاقة الإنسان بنفسه وكذا بأخيه الإنسان، بالإضافة إلى علاقة الإنسان بالمجال الإستخلافي الذي يجعله القرآن في بؤرة وعي الإنسان قصد المحافظة عليه، باعتباره مسؤولا عنه بمقتضى أمانة الاستخلاف، وبذلك تتجاوز رسالة القرآن تلك النظرة التجزئية الاختزالية التي يحاول البعض الترويج لها والدعاية لها، والتي تجعل رسالة القرآن مقتصرة على تنظيم علاقة الإنسان بربه فقط دون أن تكون متجاوزة لذلك، إلى النظرة الشمولية الكلية التي تتسع لتشمل مختلف أنواع النشاط الإنساني داخل عالم الشهادة، مؤطرة بذلك الفعل الإنساني، بما يمكله القرآن الكريم من عناصر الترشيد والتوجيه والتسديد تستجيب لحاجات الزمان والمكان.

ومن ثم فإن رسالة القرآن الكريم تعمل على تحديد غايات الإنسان وأدواره الكونية، برؤية شمولية لمختلف مناحي الحياة وما بعد الحياة، تبين له حقيقة الحياة والوجود، وحقيقة ما بعد الحياة والوجود، بحيث لا تبقى تلك الرسالة مجرد تصور ذهني معرفي، وإنما يجب أن تظهر آثاره في تنظيم حي وحركة واقعية، وعليه فإن هذه الرسالة تمتد لتشمل تحديد مهمة الإنسان في حياته، بحيث تصير قيمة الرسالة محددة بآثارها العملية، التي تنعكس على الواقع وحركته، يقول ابن خلدون: “ثم إن المعتبر في هذا التوحيد ليس هو الإيمان فقط الذي هو تصديق حكمي، فإن ذلك من حديث النفس، وإنما الكمال فيه حصول صفة منه تتكيف بها النفس” ، وهذه نقطة فارقة بين الرسالة التي جاء بها القرآن الكريم، وباقي العقائد في الأديان والمذاهب والنحل الأخرى، التي تكتفي في رسالتها إلى أقوامها بالإيمان المجرد بعيدا عما يحدثه من آثار على واقع الحياة العملية.

إن المنهج القرآني -وفق الرسالة التي حددها منزله- لا يستلب من الإنسان فعله الحضاري، وقوة العمل باعتبارهما تعبيرا عن الذات الإنسانية، بل هو يدفع بهذا الفعل وينمي هذه القوة، في اتجاه يضمن تحقيق الإصلاح والرقي بالحياة الإنسانية لتحقيق غايات الاستخلاف؛ داعيا إياه إلى الحركة والمشي في مناكب الأرض منتجا ومعمرا: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾، مستخدما الوقت والتراب ومواهبه العقلية لتحقيق رسالة القرآن الكبرى، لينطلق مصلحا معمرا في الأرض يبني ويغير، وينمي في موجوداتها، مبدعا في عالم المادة، ومرتقيا في عالم الروح، موظفا كل قدراته وبأقصى طاقاتها، وبكامل وُسْعها، ليكون بذلك نموذجا للإنسان المتحرك الذي لا يقبل السكون، لأن الإنسان في ذاته كما يعبر عنه مالك بن نبي “ليس مجرد فرد يكون النوع، وإنما هو الكائن المعقد الذي ينتج حضارة”.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان الموقع الإلكتروني المحلي العرائش سيتي يحتفظ بحقه في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي شروط النشر٫ و يشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء أسرة مجلّة العرائش سيتي الالكترونية و هي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان الموقع الإلكتروني المحلي العرائش سيتي يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش وابداء الرأي و ذلك ضمن الإطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح موقع العرائش سيتي بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا يسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.