اليوم الخميس 28 مايو 2020 - 5:39 مساءً
أخـبـار الـيــوم
أطر طبية بالعرائش ترفض تناول وجبات الأكل داخل مستشفى لالة مريم وتتشبث بقاعة الحفلات ” السعادة “      نداء عاجل إلى أمهات و آباء وأولياء أمور تلاميذ مدارس التعليم الخصوصي بالعرائش بتعليق أداء السومة الشهرية      توقيف مقدم زوادة إقليم العرائش رفقة مساعده بمدينة طنجة      مناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة: ممثلو منظمات إعلامية و نقابية وطنية و دولية يناقشون الترتيب العالمي لحرية الصحافة بالمغرب      ثانوية علال الفاسي التأهيلية بالعوامرة تتنافس على الفوز بمسابقة سطار من الدار      أحزاب سياسية بالعرائش تستغل تدابير كوفيد 19في الحملة الانتخابية القادمة      إغلاق مخبزة بأحد مراكز التسوق بالعرائش بعد إصابة عاملة بكوفيد19 تقطن بحي شعبان      أسرة عرائشية تزرع قيم التعاون الاجتماعي من خلال مبادرات إنسانية في زمن كورونا وشهر رمضان والعيد      العثور على طفلة تبلغ 12سنة مشنوقة بمنزل أسرتها يوم العيد بالقصر الكبير      العرائش..وفاة طفل تعرض للدغة عقرب يوم العيد و سيدة تتعرض للدغة أفعى نُقلت للمستشفى!     
أخر تحديث : الإثنين 6 أبريل 2020 - 8:11 مساءً

ضمن أجواء الوباء…النظرية الخلدونية في محك الطاعون الأسود 1347 – 1352

العرائش سيتي/ بقلم: عزيز قنجاع

رغم جسامة الكارثة التي خلفها “الطاعون الأسود” أو “الطاعون الأعظم” أو “المرض الوافد” أو”الموت الأسود” أو ” الموت العظيم” كما سماه معاصروه في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي الذي أودى بنصف سكان الأرض و ترك خرابا هائلا بدول شمال إفريقيا، وهو يشبه في تمدده واتساع مدى تأثيره، وكيفية ظهوره وباء كورونا الذي يضرب العالم المعاصر،فقد انطلق مثل وباء كورونا من آسيا الوسطى حيث سيطر المغول إلى العالم الأوروبي ومنها إلى شمال إفريقيا وبواسطة الحجيج الى شبه جزيرة العرب،وأورد ابن خاتمة الأنصاري  في كتابه تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد ما يلي: “وقد اختلف الأمر في مبدأ هذا الحادث من أين ابتدأ ظهوره، فذكر لي الثقة عن بعض تجار النصارى القادمين علينا بألمرية، أن ابتداءه كان ببلاد الخطأ وبلاد الخطأ بلسان العجم هي بلاد الصين ”.- وكأن التاريخ يعيد نفسه-  ورغم جسامة هذا الطاعون إلا أن الاسطغرافيا العربية و منها المغربية على الخصوص لم تخلف لنا مادة مصدرية ونصوصا مرجعية تشبع نهم الباحث في معرفة تأثيراته الحقيقية وظروفه الدقيقة على المغرب الأقصى وقد قال الناصري عنه في كتاب “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” في حديثه عن المائة الثامنة للهجرة” واعلم أنه في أواخر هذا القرن الثامن تبدلت أحوال المغرب بل و أحوال المشرق ونسخ الكثير من عوائد الناس ومألوفاتهم” لقد كان هذا الوباء من القوة أن أعاد تشكيل المجتمع المغربي من لباسه إلى عوائده إلى مألوفاته،  وعلينا أن نتصور حجمه بالنظر إلى آثاره الفادحة هذه.

ويقول ابن خلدون عن طاعون 1348 المعروف بالطاعون الأسود “في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيف الأمم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها فقلص من ظلالها وفل من حدها وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر فخربت الأمصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن” ويقول في صدد حديثه عن حملة السلطان الحسن المريني إلى تونس سنة 1349م والتي عرفت إخفاقا واضحا ” ثم جاء الطاعون الجارف فطوى البساط بما فيه ” ويقول ابن خلدون في كتاب ” التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا ” في الحديث عن أساتذته ” ثم درجوا كلهم في الطاعون الجارف “أي أن الطاعون كما أخلى الأسواق، أحدث أيضا كسادا عاما في سوق العلم. ويضيف في نفس المصدر أيضا “إلى أن كان الطاعون الجارف، وذهب الأعيان والصدور وجميع المشيخة، وهلك أبواي رحمهما الله” وكان عدد الموتى عظيما أن كسدت الأسواق والتجارة والصنائع وانعدمت اليد العاملة فعظم التصوف الشعبي وسادت الخرافة وكثر المتنبؤون ، ويخبرنا الرحالة الذين ركبوا البحر خلال هذه المرحلة خصوصا الأندلسيون منهم والذين في تتبعنا لرحلاتهم كالعبدري وابن رشيد السبتي  نجدهم اتخذوا البحر وسيلة أساسية للتنقل ضمن المجال المتوسطي مما يحيل إلى تطور الملاحة خلال القرن الرابع عشر الميلادي خصوصا وان الحروب الصليبية الأخيرة خلال القرن الثالث عشر  والرابع عشر اعتمدت البحر والموانئ الايطالية لشحذ الجنود و المؤن واعتمدت أيضا السواحل والمدن التي على طول الشريط الساحلي اللبناني و السوري مركزا لمنطلق عملياتها العسكرية ببلاد الشام،حيث عرفت حركة الملاحة تطورا جد ملحوظ خلال هذه الفترة حيث كانت المراكب تفرغ السلع ومعها الجرذان الحاملة لوباء الطاعون، ويصف ابن الخطيب هذا المشهد قائلا: ”فحرز ما هلك من نوع الإنسان به في هذا الوقت المحدود بسبعة الأعشار،ولم يتقدم فيما اتصل بأولي الاطلاع من تواريخ الأمم خبر وباء بلغ حسب مبلغه من أخذه ما بين لابتي المشرق والمغرب، واتصاله بالجزائر المنقطعة في البحر واستئصاله أهل البيت والقرية… يتعلق بالناس تعلق النار بالحلفاء والهشيم ”.وفي تعداده لعدد الموتان إبان هذا الطاعون أحصى ابن خاتمة في المرجع الذي سلف وذكرناه أي كتاب تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد ما يلي: “وأن عدد الموتان في تونس – ويقصد هنا تونس المدينة العاصمة الحالية لأن تونس الدولة كانت تسمى حينها بإفريقية – في اليوم الواحد 1202 وتلمسان 700 وبلنسية 1500 وميورقة 1203 ” لكم أن تقارنوا هذه الأرقام مع ما يحصل الآن مع الفارق الديمغرافي الهائل . وبسبب هذه الأعداد الكبيرة للموتان فني نصف العالم.

بعد هذا التقديم في محاولة إظهار مدى هول فاجعة الطاعون الأعظم سنحاول أن نجيب كيف تفاعل ابن خلدون مع هذا الطاعون الذي جاء معاكسا لنظريته في العصبية، و لا بد أن أشير إلى أن حدثين مهمين غالبوا نظرية العصبية و استعصى على النظرية الخلدونية احتوائهما’ الحدث الأول كان كيفية استطاعة ابن عامر الذي شغل أولا وظيفة الحاجب ولقب بالحاجب المنصور وصار الحاكم الفعلي للخلافة الأموية  في الأندلس في عهد الخليفة هشام المؤيد .كيف استطاع أن يستبد بالدولة الأموية وهو رجل دون عصبة أي دون عصبية العامل الأساسي في الاستبداد بحكم قائم كما هو حال الأتراك والسلاجقة والبرامكة الذين استبدوا بالدولة العباسية بسبب شوكتهم ووفور عصبيتهم، لكن ابن عامر هذا كان رجلا لا تعضده عصبية فكان شرح ابن خلدون لهذا الامر مرتبكا ودون إقناع وترك بياضات ساحت على النظرية و بقيت عالقة.

ثم جاء الطاعون الأسود ليضيف هو الآخر إرباكا جديدا للنظرية الخلدونية ، فهو يرجع سبب المجاعات و الموتان إلى المرحلة الأخيرة من عمر الدولة أي إلى الهرم وهي مرحلة توافق انهيار الدولة بسبب انحلال العصبية وتحللها لأمور يشرحها مطولا في كتاب المقدمة ، طبعة دار الكتب العلمية ص: 320 وما بعدها ” أما في الطورين الأولين للدولة، أي مرحلة البداية و الشباب فهي مرحلة البناء ” وخلالها يكون الناس  “انتشطوا للعمران وأسبابه فتوفر، ويكثر النسل ” إلى أن يقول ” ثم إن المجاعات والموتان تكثر عند ذلك في أواخر الدول ” و يعيد أسبابها إلى ” كثرة المجاعات كما ذكرناه او كثرة الفتن لاختلال الدولة فيكثر الهرج والقتل ، أو وقوع الوباء. وسببه فساد الهواء بكثرة العمران لكثرة ما يخالطه من العفن والرطوبات الفاسدة” .

إذن، ثمرة العمران تظهر في آخر الدول فالدولة تشرف على نهايتها في الوقت الذي تكون فيها ثمرة حضارتها وعلومها بصدد إعطاء الثمار وهو موضوع شيق للاستقلال النسبي للبنية الفوقية فالزمن المعرفي و العلمي الثقافي لا يساير بالطبع أزمنة مستوى البناء التحتي ، فالاجتماع و كثرة العمران يسهلان انتشار الوباء نظرا كما يقول: “وإذا فسد الهواء وهو غذاء الروح الحيواني ومُلابسه دائما فيسري الفساد إلى مزاجه . فان كان الفساد قويا وقع المرض في الرئة . ….وان كان الفساد دون القوي والكثير فيكثر العفن و يتضاعف ….وسبب كثرة العفن والرطوبات الفاسدة في هذا كله كثرة العمران ووفوره آخر الدولة ” إذن وصول الدولة إلى أوجها ظاهريا وهرمها باطنيا هو سبب رئيسي في انتشار الوباء وقوة فعله و سريانه و انتشاره .

لكن ماذا يمكننا ان نقول عن الطاعون الأسود الذي افرغ المغرب من سكانه والدولة المرينية في أوج عظمتها، نتحدث هنا عن السلطانين الكبيرين أبو الحسن المريني و ابنه أبي عنان. فالطاعون الأسود حل بالمغرب والسلطان المريني كان بصدد اكبر حملة عسكرية لإعادة توحيد بلدان المغرب الكبير من تونس إلى الأندلس ، في هذا الوباء يظهر ابن خلدون معرفة كبيرة بالطب و بسبب انتشار الوباء معتمدا كما مجايليه مثل ابن الخطيب من الترجمات العربية لكتب جالينوس الطبيب الإغريقي الشهير ، لكنه لا يجيبنا عن سبب انتشار العدوى بهذه الحدة.

لا تشير الدراسات التاريخية المغربية التي تناولت تاريخ المرينيين إلى جائحة الطاعون الأسود فعبد الله العروي في كتابه :”مجمل تاريخ المغرب ” يعيد سبب التدهور الديمغرافي بالمغرب الى حروب المرينيين بالأندلس ، يقول العروي ” كانت الأندلس تطلب الرجال ، وهؤلاء كانوا يأتون من المغرب . هل يتصور احد ان معارك الزلاقة والأرك والعقاب وغيرها كانت بدون ثمن ؟ الثمن هو بالطبع التسكان وفراغ البلاد.” ص 222-223″ ولا يلتفت إلى الطاعون الأسود بتاتا ولا يعطيه أية قيمة وفاعلية تاريخية ، يقر العروي أن هذه الفترة عرفت لأول مرة انفصالا تاما بين المجتمع ، وصفه في نفس المرجع ص: 217 ب ” انفصالا عميقا ومتزايدا” والدولة كانت تسير أمورها ” في نطاق منفصل ، متعال عن مجتمع عاد القهقري إلى تنظيماته التقليدية – ويقصد هنا القبيلة – وابتدع اخرى غير خاضعة للدولة – ويعني هنا الزاوية التي ستلعب أدوارا رائدة استقبالا – نفس المرجع ص 216″ كما أن المؤرخ المغربي محمد القبلي في دراسته الوافية عن الدولة المرينية المنشورة في كتاب ” المجتمع والسلطة والدين بالمغرب نهاية العصر الوسيط” لم يعط هذا العامل أدنى اعتبار بل بقي ضمن الإشارات الجانبية.

ولنعد إلى ابن خلدون فكيف رأى ابن خلدون مصدر الخراب الذي الم بالدولة المرينية ابان جائحة الطاعون الأسود ، فرغم كل ما أحدثه الطاعون الأسود ببلاد المغرب من كوارث فبالنسبة لابن خلدون فان عامل اكبر من الطاعون هو من ساهم في خراب عمران شمال أفريقيا أنهم الطارئون على الجسم المغربي ويقصد هنا “العرب” حيث يقول“ثم كانت واقعة العرب على السلطان بالقيروان ” ويعني هنا السلطان أبو الحسن المريني عندما دخل تونس لإعادتها لحظيرة الدولة المركزية المغربية ويضيف مباشرة، “ثم جاء الطاعون الجارف فطوى البساط بما فيه” فيكون الطاعون سببا مكملا لا مركزيا أو رئيسيا فخراب العمران ابتدأ قبلا من خلال الحروب التي خاضها العرب الوافدين إلى شمال إفريقيا، وان الضعف والهوان والتراجع الحضاري صار بنية محايثة للمسار التاريخي للمغرب منذ الدولة الموحدية مع مجيء العرب الى شمال إفريقيا إبان الحكم الموحدي وإقطاعهم أراضي بالمغرب الأقصى، وهو لم يخرج عن القاعدة التي نظر من خلالها سكان المغرب مؤرخوه و رحالوه إلى الأمر فنصوص الرحلات خلال هذه الفترة دالة بل مفجعة للاحوال التي دخل فيها المغرب، ومن ثمة فان ابن خلدون رغم انه كان يعيش في أوج حضارة عظيمة بكل ما فيها إلا انه كان يرى الضعف و الهوان قد حل دون رجعة لذلك قال “وكأني بالمشرق قد نزل به مثل ما نزل بالمغرب لكن على نسبته ومقدار عمرانه وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة ..وكأنه خَلقٌ جديد ونشأة مستأنَفة وعالَم محدَث..والله وارث الأرض ومن عليها.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان الموقع الإلكتروني المحلي العرائش سيتي يحتفظ بحقه في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي شروط النشر٫ و يشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء أسرة مجلّة العرائش سيتي الالكترونية و هي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان الموقع الإلكتروني المحلي العرائش سيتي يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش وابداء الرأي و ذلك ضمن الإطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح موقع العرائش سيتي بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا يسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.