اليوم الخميس 28 مايو 2020 - 5:45 مساءً
أخـبـار الـيــوم
أطر طبية بالعرائش ترفض تناول وجبات الأكل داخل مستشفى لالة مريم وتتشبث بقاعة الحفلات ” السعادة “      نداء عاجل إلى أمهات و آباء وأولياء أمور تلاميذ مدارس التعليم الخصوصي بالعرائش بتعليق أداء السومة الشهرية      توقيف مقدم زوادة إقليم العرائش رفقة مساعده بمدينة طنجة      مناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة: ممثلو منظمات إعلامية و نقابية وطنية و دولية يناقشون الترتيب العالمي لحرية الصحافة بالمغرب      ثانوية علال الفاسي التأهيلية بالعوامرة تتنافس على الفوز بمسابقة سطار من الدار      أحزاب سياسية بالعرائش تستغل تدابير كوفيد 19في الحملة الانتخابية القادمة      إغلاق مخبزة بأحد مراكز التسوق بالعرائش بعد إصابة عاملة بكوفيد19 تقطن بحي شعبان      أسرة عرائشية تزرع قيم التعاون الاجتماعي من خلال مبادرات إنسانية في زمن كورونا وشهر رمضان والعيد      العثور على طفلة تبلغ 12سنة مشنوقة بمنزل أسرتها يوم العيد بالقصر الكبير      العرائش..وفاة طفل تعرض للدغة عقرب يوم العيد و سيدة تتعرض للدغة أفعى نُقلت للمستشفى!     
أخر تحديث : الإثنين 6 أبريل 2020 - 7:46 مساءً

” نَعناعُ الوفاء “سردٌ قصصي من داخل الحجر الصحي الكُلي بحي الوفاء لمحمد اليشيري

العرائش سيتي: بقلم/ محمد اليشيري

استيقظ بّا عبد الله عند الفجر الأول. عادته منذ سنين أن ينام بُعيْد العشاء بقليل، ويصحو عند أول آذان يصل إلى سمعه في أول الصبح.. تململ نحو اليمين، ومد يده إلى النافذة المغلقة حيث مصباحه الغازي. تحسس المصباح، ثم قربه من عينيه المفتوحتين إلى النصف حتى لا تخطئ أصابعه المرتعشة الفتيل. أناره ثم أعاده إلى مكانه..
صنيعه هذا، نسخة طبق الأصل من فعله كل يوم قبل أن ينهض ويغادر الفراش.. اليوم حصل له بعض التغيير.. أزاح عنه البطانية لكنه لم يبرح مكانه. بقي مضطجعا ينتظر انقضاء بعض الوقت. فلا داعي للقيام قبل انقشاع الظلام، ما دام أعد سلعته كاملة عصر أمس ولم يبق له سوى حملها في “الشواري” والانتقال بها إلى المدينة حيث ينتظره زبناؤه كل صباح..
بالأمس كانت الجمعة، وفيها يأخذ استراحته الأسبوعية. رأيه دائما “الراحة في العمل”، ولذلك لا يحبذ الجلوس عن العمل في هذا اليوم، لكنه توقيراً لوالدته التي تنهاه، لا ينتقل إلى المدينة، ويكتفي بالعمل بالجنينة..
أحواض النعناع هي همّه الأول، وشغله الأساس.. كعادته؛ وقبل أن يوزع عليها أقدارها الوافرة من الماء طاف عليها بالتنقية والتشذيب، وأصلح الواهن منها بسماد الماشية والأملاح الزراعية.. وعند الأصيل حشّ منها حصته المعتادة، وصففها بإتقان في ربطات متساوية، ثم نشرها فوق فراشٍ من العزف عند عتبة البيت تحت قطرات الندى الناعم..
ليس لبا عبد الله أحد في هذه الدنيا سوى والدته التي ناهزت الثمانين عاما. وقد خصها ببيت مجاور يرعاها فيه، ولا يغادر أو يحل إلا إذا تفقدها وطلب رضاها ودعاءها.. العائلة التي كان يحلم ببنائها هدت في أول شهر، لم يحتمل زوجة نغصت حياته بالشكوى من ضيق الحال، فأرسلها إلى أهلها دون مراجعة. وكأنه متيقن أن قادِمَه لن يتحسن وأن أحوالها لن تتغير.. وبالتالي فلا داعي لصداع لا ينتهي.. صديقه الذي يقضي معه أكثر وقته هو حماره الوفي. ولذلك يكون أول من يتفقد قبل استيقاظ والدته.. حينما بدأت خيوط الضوء تبسط بياضها على الظلمة، قام إلى والدته وقدم لها فطورها، ثم انتقل إلى الحظيرة وبيده حاجة حماره من العلف والماء. لم يبخل يوما عن صديقه أبدا.. فناهيك عن التبن والحشائش المتوفرة بالجنينة، يوفر له دوما الشعير والفول حتى وإن غلا سعرهما. وقبل أن يضع وجبته في العلّافة ويقرب منه دلو الماء، مسح على عنقه وجبهته وهو يقول له: استعد فساعة العمل ستشرع بعد قليل..
ساعة وزيادة.. هي المدة التي يقطعها بَّا عبد الله وحماره في رحلتهما اليومية من غرسته بالضاحية الشرقية للمدينة إلى حي الوفاء، أشهر أحياء العرائش وأنفعها بالنسبة إليه.. فيه يبيع سلعته، ويشتري مؤونته، ويوفر حاجة حماره، ويظفر ببقايا الأكل والخبز اليابس لجرائه ودجاجه.. أضف إلى ذلك الفطور الساخن واللذيذ الذي تجود به عليه مقاهي الحي كلما حلّ بها حاملا خصاصها من النعناع الطري..
حينما وصل هذا الصباح، خال نفسه تائها عن الطريق المفضي إليه.. وكيف لا وهو يرى المداخل التي يعرفها واعتاد الولوج منها جميعها موصدة بالمتاريس..
يا رب ماذا جرى؟ يوم واحد هو الذي يفصلني عن آخر زيارة.. ترى ماذا حصل حتى تغلق هذه المداخل في وجهي؟

في البداية لم يستوعب الوضع، وتمنى لو أن أحدا ساق إليه الخبر قبل اليوم حتى يتدبر الأمر. ثم استدرك: وكيف لي ذلك وأنا الذي لا أخالط الناس إلا فيما يتعلق بشأن نعناعي.. حتى زبنائي من ساكنة هذا الحي الوفي الذين كان من الممكن أن أستقي منهم الخبر الحزين الله أعلم بحالهم..
كاد أن يختنق وهو يرى الدراهم التي يجنيها مقابل نعناعه خلال هذا اليوم مقبلة على التبخر..
زفر بحرارة ثم وجّه حماره نحو اتجاهات أخرى، آملا في العثور على فرَج. قصَد أولا المدخل القريب من إقامة عامل الإقليم لكنه وجده موصدا كسابقيه.. لم يُبالِ لذلك مادام قريبا من مداخل أخرى وأمله لا يزال قائما، قال في نفسه: لعل مداخل المسجد ستبقى كعادتها مفتوحة مادامت هي المنفذ إلى بيت الله.. غير أنه حينما وصل إليها خاب أمله، فهي أيضا محاطة بالحواجز ومبالغ في تطويقها.. لم يعْيَ بما سلف، وقصد بعدها المداخل القريبة من الطاحونة، ثم جال بنظيراتها المجاورة للمقاطعة السادسة، ثم مداخل الفيلات، ثم أعقبَها بالمداخل الغربية والجنوبية.. أكثر من ثلاثين مدخلا ولا أحد يبشره بخير…
كاد اليأس أن يثبط عزائمه ويقرر العودة إلى بيته خالي الوفاض، لولا أن انفراجا لاح أمام عينيه عند اقترابه من صيدلية الحي.. فقد بدا له الناس يدخلون من هنالك ويخرجون دون عناء، وذلك هو المراد الذي يبحث عنه.. ودون أن يتفحص الإجراءات المصاحبة لذلك، دفع بحماره إلى الأمام مخترقا المدخل، وفاتحا أبواب رزقه الذي لا يربو إلا مع أهل حي الوفاء.. لكنه حينما جاوز الفتحة المسموح بها بخطوات وشرع في المناداة بسلعته كما هو دأبه وا النعناع.. النعناع.. وا ليقاما.. تفاجأ بالحراس من العسكر يطيرون إليه ويطوقونه هو وحماره..
المسكين، مصدوما صار ببينهم.. لم يقل شيئا، وكيف سيدافع عن نفسه و لسانه شارف على الانعقاد؟ طول عمره لم يُحدِّث رجل سلطة أو أمن، أو حتى التقى وجهه بهم في فرح أو قرح. فكيف به الآن وهو تحت وطأة كتيبة منهم يتطاير الشر من أعينها؟
تغير وجهه من طلقه الدائم إلى وجه خائف متوجس.. لم يعد يتحكم في أطرافه التي شرعت بالتصفيق من شدة الارتعاد.. خوف لم يعرفه منذ نشأ.. ومن أين سيأتيه الخوف وسيرته البسيطة بيضاء وكلها خير وسلام.. كاد أن يفقد الإحساس بقدميه فاستند على ظهر حماره عند القوائم الأمامية حتى لا يهوي بالسقوط..
آنذاك انتبه إلى رئيسهم القادم إليه آمراً ومزمجراً:
أديك مول لحمار.. هزْ علِيَ حمارك وخوي من هنا قبل مانديك للْفوريان انت وياه.. يالله مانشوفش كمارتك عاد…
واخّا نعام آالسي.. دابا نعام آالسي..
ورغم أن هذا الصوت جاءه كالرعد يطرق سمعه، إلا أنه شعر معه بأمانٍ كان مفقودا قبل لحظة.. قام إلى صديقه الوفي الذي كاد أن يضيع منه، أخذ بلجامه وانطلق بسرعة دون التفات وهو يقول: يا ليتني انتبهت.. يا ليتني عرفت..
لم يعد يفكر في خسارة جهده وسلعته كما كان في أول الأمر، فذلك أهون عليه آلاف المرات من فقده لحريته وتضييعه لحماره.. حصل هذا بعد نجاته من فخ العسكر وابتعاده عنهم…
عاد له أمانه وهدوءه فشكر الله وأثنى عليه، ثم قفل عائدا إلى بيته…
في طريقه، وقبل أن يقطع آخر شارع يحد المدينة في اتجاه الضاحية التي يقدم منها، لفت انتباهه مخزن كبير للمواد الغذائية يفتح أبوابه لأول مرة. لم يعنه هذا الحدث ولا همَّهُ في شيء، غير أن رؤيته للسلع المكدسة فيه ذكرته أن دشيشة الشعير التي يصنع منها حساء الفطور لوالدته قد نفذت بالبيت فتوجه نحوه لاقتنائها..
كان لا يزال راكبا على حماره حينما خرجتُ إليه من المخزن لأسأله حاجته..
واش هذا با عبد الله ولا غلطت؟
هوا هذا بنعناعه وحماره..
آش حب الخاطر أبا عبد الله؟
مدّ إليّ النقود وقال: بغيت كيلو ديال البلبولة ديال الشعير…
مسكين با عبد الله لا يعلم أن هذا ليس متجرا.. حدثت نفسي…
و كيف له أن يعلم أن المواد الغذائية بهذا المستودع إنما هي للمساعدة والتضامن، يتبرع بها أهل اليسار والجود، وتستفيد منها الأسر المحتاجة خلال هذه الفترة العصيبة من الحجر الصحي..
ولذلك عندما أخبرته وانتبه إلى القفف المصففة جانبا بما تحمله من مواد سأل: وهل فيهم أهل حي الوفاء؟
نعم يا بّا عبد الله كل ما ترى عيناك بهذا المخزن وما سيأتي بعده خاص بأهل الوفاء.. ألا تعلم أن الحي مطوق بالكامل ومقبل على أيام عصيبة من الحجر الصحي الكلي..
صمت قيلا وكأنه يفكر في شيء ما شغله عني.. ثم قال:
أنا أيضا أريد أن أساهم..
كيف ستساهم يابا عبد الله وأنا أعتقد أنك أولى بالمساعدة؟
أساهم بنعناعي هذا الذي لم أبعه هذا الصباح.. فالقفف التي أراها أمامي ناقصة من غير نعناع…
انتفض رئيس المؤسسة الخيرية الذي كان متابعا لحوارنا من مكانه حينما سمع كلامه، ثم خطا نحوه محييا وهو يقول: أكرمك الله… أكرمك الله.. كم أنت كريم يابا عبد الله.. بارك الله فيك.. قبلنا مساهمتك وسنأخذ نعناعك.. لكننا سندفع لك ثمنه ونمنحك ما يكفيك من المواد إلى أن تنفرج هذه الغمة..
اما أنا فقد عقبت على ذلك بقولي..
لكن ليس قبل أن يريح بهيمته بعض الوقت، ويحكي لنا ماذا حصل له بحي الوفاء حتى عاد بنعناعه دون أن يبيع منه ربطة واحدة؟
محمد اليشيري
05 أبريل 2020
من داخل الحجر الصحي الكلي بحي الوفاء

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان الموقع الإلكتروني المحلي العرائش سيتي يحتفظ بحقه في نشر أو عدم نشر أي تعليق لا يستوفي شروط النشر٫ و يشير إلى أن كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء أسرة مجلّة العرائش سيتي الالكترونية و هي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان الموقع الإلكتروني المحلي العرائش سيتي يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش وابداء الرأي و ذلك ضمن الإطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح موقع العرائش سيتي بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا يسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.